منوعات

عروسة المشـ,ـرحة بقلم انجي الخطيب

العروسة ماتت في ليلة دخلتها والفرح اتقلب مأتم وأخدوها على المشرحة والكل كان في حالة صدمة.
الصبح بدري وصلت عربية الإسعاف ومعاها زفة كاملة عربيات متزينة بالورد والأشرطة البيضاء وقفوا قدام المشـ,ـرحة والناس بتبكي ومنهارة والعريس كان ماشي جنب الخشبة ووشه خالي من التعبيرات كأنه مش مصدق إن حبيبته راحت منه. الموظفة اللي شغالة هناك كانت لسه جديدة ومرعوبة من المكان وبفتكر كلام الدكتور إن الخوف من الأحياء مش الأمـ,ـوات بس المرة دي الموضوع كان مختلف. لما دخلت الأوضة عشان تجهز الجـ,ـثة لاحظت إن البنت وشها لسه فيه روح وخدودها وردية مش باهتة زي الميـ,ـتين.

الدكتور قال لها ده تسـ,ـمم والوفـ,ـاة مؤكدة وهنبدأ التشريح بكرة بس الموظفة قلبها مكنش مطوعها. لمست إيد العروسة لقتها دافية لسه ومسكت صدرها حست بضـ,ـربات قلب خفيفة جداً تكاد تكون مسموعة. جريت على الدكتور وهي بتترعش وبتقوله دي لسه عايشة إلحقنا. الدكتور جه بزهق وكشف عليها وقال لها ده وهم يا بنتي والجسم بيفضل

محتفظ بحرارته شوية وردود أفعال العضلات بعد التسـ,ـمم بتخدع وسابها ومشي. الموظفة فضلت قاعدة جنبها طول الليل مش قادرة تروح وقررت تحط كاميرا صغيرة في ركن الأوضة وتراقب اللي هيحصل وصممت إنها متسبهاش. الصبح فتحت التسجيل وفضلت تتفرج وأول ساعتين مفيش جديد بس فجأة شافت اللي وقف دمها في عروقها ومرمط كرامة المنطق في الأرض. شافت العروسة بدأت صوابعها تتحرك ببطء وبعدين فتحت عينيها وبدأت تشيل الغطا من عليها وقعدت على السرير وهي بتبص حواليها بذهول ووشها بينور بزيادة.

الموظفة كانت بتبص للشاشة وهي بتتشاهد وبتقرأ آيات من القرآن من كتر الرعب والذهول ومكنتش عارفة تصرخ ولا تعمل إيه لما شافت العروسة نزلت رجليها على الأرض ووقفت وبدأت تهمس بكلمات مش مفهومة وكأنها كانت في غيبوبة وصحيت منها بمعجزة إلهية خلت كل اللي في المشـ,ـرحة يتجننوا من هول المنظر.
الموظفة كانت بتبص على شاشة اللاب توب وعينها هتطلع من مكانها، العروسة قعدت على طرف الترابيزة ووقعت باقة الورد اللي كانت على صدرها، وبدأت تتنفس بصعوبة وتنهج كأنها كانت غرقانة وطلعت لسطح المية فجأة.

الموظفة مسكت المصحف الصغير اللي في جيبها وفضلت تقرأ آية الكرسي بصوت مرعوب وهي بتجري على أوضة الجـ,ـثة. أول ما فتحت الباب، لقت العروسة لفت وشها وبصت لها بضياع وقالت بصوت طالع بالعافية أنا فين؟ هو الفرح خلص؟.
الموظفة مكدبتش خبر، جابت كوبرتيه غطت بيها جسم البنت وسندتها وهي بتهديها وتقول وحدي الله يا حبيبتي، إنتي قمتي من المـ,ـوت، دي معجزة من عند ربنا. في اللحظة دي دخل الدكتور عشان يبدأ التشريح، أول ما شاف المنظر المشرحة وقعت من إيده واتسمر مكانه، ووشه بقى أصفر من الجـ,ـثة اللي كان ناوي يشرحها.

العروسة مكنتش ميتة، ده كان نوع نادر من الغيبوبة المؤقتة اللي بتخلي كل أجهزة الجسم تقف كأنها ميتة بالظبط، ولولا ستر ربنا وقوة قلب الموظفة دي، كانت البنت اتدفـ,ـنت وهي صاحية أو المشـ,ـرط لمس جسمها.
العريس اللي كان قاعد بره على الرصيف وساند راسه بين إيديه، سمع صريخ الموظفة وهي بتنادي يا دكتور.. يا ناس.. العروسة عاشت!. قام مفزوع ودخل المشرحة لقى مراته قاعدة وبتبكي، اترمي تحت رجليها وهو مش مصدق وبيقول الحمد لله.. يا رب لك الحمد. الخبر انتشر في المستشفى كلها زي النار في الهشيم، والناس بقت تكبر وتهلل الله أكبر.. يحيي العظام وهي رميم.

ومن اليوم ده، الموظفة مابقتش تخاف من المشـ,ـرحة، بالعكس، بقت تحس إن ربنا حطها في المكان ده عشان تكون سبب في إنقاذ روح كانت هتضيع تحت التراب وهي لسه فيها نفس.
الموضوع مخلصش على كده، الدكتور قعد على أقرب كرسي وهو مش قادر يشيل عينه من على البنت، وضميره بدأ يؤنبه إنه كان هيتسبب في كارثة لولا ستر ربنا. العروسة بدأت تسترد وعيها كامل، وبصت لجوزها اللي كان متبت في إيدها وكأنه خايف تطير منه تاني، وقالت له برعشة أنا شوفت ضلمة كبيرة يا أحمد، وسمعت صوتك وأنت بتنادي عليا من بعيد بس مكنتش قادرة أرد.

المستشفى اتقلبت خلية نحل، المدير جه وجاب معاه استشاريين كبار عشان يفهموا إيه اللي حصل،واتضح إن العروسة اتعرضت لحالة مـ,ـوت ظاهري نادرة جداً نتيجة صدمة عصبية شديدة مع نوع معين من الحساسية من أكل أو دواء، خلت نبضها يقل لدرجة إن الأجهزة العادية ماتحسش بيه.
العريس صمم إنه مش هيتحرك من غيرها، والموظفة كانت واقفة بعيد وعينها مليانة دموع فرحة، حست إن ربنا كافأها على إخلاصها وشكها اللي كان في محله.

العروسة قبل ما تخرج من المشرحة على القسم الداخلي عشان تتطمن على صحتها، مسكت إيد الموظفة وقالت لها أنا مش عارفة أنتي مين، بس أنا كنت حاسة بلمسة إيدك الدافية وأنا في عز التلج، شكراً إنك مسبتنيش.
خرجت العروسة من باب المشـ,ـرحة، بس المرة دي مش في كفن ولا على خشبة، خرجت ماشية على رجليها وساندة على جوزها، والزفة اللي كانت واقفة بره بتعيط، قلبت زغاريد وهتافات هزت جدران المستشفى كلها.

ومن اليوم ده، الموظفة بقت كل ما تدخل المشـ,ـرحة، تبدأ ورديتها بصلاة ركعتين شكر لله، وبقت واثقة إن الحي أبقى من الميت، وإن رحمة ربنا فوق كل علم وفوق كل تشخيص.
بعد كام شهر من الواقعة دي، الموظفة كانت قاعدة في ورديتها بالليل بتشرب شاي، وفجأة الباب خبط. قامت تفتح لقت العريس والعروسة واقفين قدامها، وشهم منور والضحكة مالية وشوشهم. العروسة كانت شايلة في إيدها علبة شيكولاتة كبيرة ومعاها مصحف هدية للموظفة، وقالت لها أنا جيت أشكرك تاني، لولاكي كان زماني دلوقتي مجرد ذكرى تحت التراب.
الموظفة رحبت بيهم جداً، وقعدوا يحكوا.

العروسة قالت لها إنها اكتشفت إن اللي حصلها ده كان بسبب عين وحسد وصدمة عصبية، بس ربنا جعلها سبب عشان تعيش عمر جديد وتتقرب من ربنا أكتر. العريس بص للموظفة بامتنان وقال لها إحنا سمينا أول بنة رزقنا بيها أمل على اسمك، عشان أنتي اللي رجعتي لنا الأمل في عز الضلمة.
الدكتور الكبير اللي كان هيشرح الجـ,ـثة، اتغير حاله تماماً من بعد اليوم ده. بقى قبل ما يمد إيده بمشـ,ـرط على أي جـ,ـثة، يتأكد مية مرة، وبقى يوصي المساعدين بتوعه إن الروح سر الله في خلقه، ومحدش يستهين أبداً بأي إشارة مهما كانت صغيرة.

الموظفة بعد ما مشيوا، وقفت قدام مراية الردهة وابتسمت، مابقتش تشوف الممرات ضلمة ولا الجدران باردة. بقت تحس إن كل جـ,ـثة بتدخل عندها هي أمانة، وإن ربنا حطها في أصعب مكان عشان يختبر إيمانها ورحمتها. ومن ساعتها، بقت المشـ,ـرحة في نظرها مش مكان للمـ,ـوت، دي مكان بنتعلم منه قيمة الحياة، وإن الله يخرج الحي من الميت، وإن دايماً فيه فرصة تانية طول ما ربنا كاتب للواحد نصيب في النفس.
لكن القصة مخلصتش عند مجرد الشكر، لأن اللي حصل ساب أثر في المشرحة كلها.

الدكتور اللي كان هيشرح الجـ,ـثة، قرر يكتب بحث طبي كامل عن الحالة دي عشان ينقذ أرواح تانية ممكن تقع في نفس الفخ، وسمّاه معجزة ليلة الزفاف. والمستشفى قررت تجيب أجهزة نبض حساسة جداً متتوصلش غير بالحالات المشكوك فيها، تقديراً للي الموظفة عملته.
الموظفة أمل في يوم من الأيام، وهي بتنضف الأوضة اللي كانت فيها العروسة، لقت ورقة صغيرة واقعة تحت الترابيزة، فتحتها لقتها رسالة مكتوبة بخط إيد العروسة قبل الفرح بيوم، كانت كاتبة فيها يا رب، اجعل يوم فرحي بداية لحياة جديدة. أمل بكت وسجدت لله شكر، لأن ربنا استجاب لدعاء البنت فعلاً، بس بطريقة مكنش حد يتخيلها..

حياة جديدة بمعني الكلمة.
مرت السنين وأمل بقت رئيسة قسم التمريض في المستشفى، وقصتها بقت حكاية بيحكيها الصغير والكبير في المنطقة، وبقت مثال حي على إن الإنسان مش مجرد جـ,ـثة وأوراق، إنما هو روح وتفاصيل ميعلمهاش إلا خالقها.
وفي كل سنة، في نفس ميعاد اليوم ده، كانت العروسة وعريسها ومعاهم بنوتهم الصغيرة يروحوا يزوروا أمل، ويجبولها ورد أبيض شبه ورد الفرح، ويقضوا اليوم كله في ذكر الله وفعل الخير، كنوع من الشكر على العمر التاني. وبقت المشرحة اللي كانت مصدر رعب، مكان بيشهد إن رحمة ربنا وسعت كل شيء، وإن المـ,ـوت والحياة بإيد اللي بيقول للشيء كن فيكون.

تمت
بقلم انجي الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى