منوعات

أجبرتني حماتي أن أقيم عزاء زوجي في بيتها

أغمض سعد عينيه لثانية، وكأن كل صوت يُسمع هو عدٌّ تنازلي لشيء قادم لا يمكن إيقافه.
قال بسرعة، بصوت خافت لكنه حاسم
ارجعي إلى سيف وانتظريني عشر دقائق خلف المطبخ لوحدك ولا تقولي لزوجة أبي شيئاً
نظرت إليه بشك، وقلت
ولماذا يجب أن أثق بك؟
اشتدت نظراته، ومرّ فيها حزن ثقيل لم أره فيه من قبل، ثم قال ببطء
لو كنت أريد أذيتك لكنت تركتك تفتحين الباب.

ترك ذراعي أخيراً، واستدار مبتعداً في الممر، ثم عدّل من وقفته قبل أن يعود إلى غرفة الجلوس، حيث استمرت تلاوة القرآن، واختلطت رائحة القهوة المحترقة بالبخور، وكل ذلك المشهد بدأ يبدو لي كتمثيل سيئ عزاء بلا حزن، ووجوه تحفظ أدوارها أكثر مما تشعر بها.
بقيت واقفة لثانيتين لا أتحرك.
ثم رفعت يدي، وطرقت الباب بخفة، وكأنني أخشى أن يسمعني أحد أو أن يرد أحد.
همست
مصطفى
لم يأتِ أي رد.
فقط صمت.
صمت ثقيل خانق كأن من في الداخل يكتم أنفاسه عمداً، خوفاً من أن يُكتشف.

شعرت بأن صدري يضيق، وكأن الهواء لم يعد يكفي، أردت أن أصرخ، أن أركض إلى المجلس وأفضحهم جميعاً، أن أكسر كل شيء لكن سيف كان نائماً على بعد أمتار، وجهه الصغير ما

زال منتفخاً من البكاء على أبٍ ربما لم يمت.
أو ربما مات بطريقة أسوأ.
عدتُ إلى غرفة الضيوف.
حملت سيف بين ذراعي، رغم أنه بدا أثقل من المعتاد، وعدّلت وضعيته على السرير برفق، لم أرد أن أتركه لحظة واحدة، لكن شيئاً داخلي كان يدفعني للخروج، لمعرفة الحقيقة مهما كانت.
انحنيت بجانبه، رأيته نائماً، فمه مفتوح قليلاً، وذراعه ملتفة حول لعبته الصغيرة، تذكرت كلمات مصطفى في ذلك الصباح
إذا حدث شيء اليوم فلا تثقي بعائلتي.
اليوم لم يقل يوماً ما لم يقل إذا حدث لي شيء بل قال اليوم.
وكأنه كان يعلم.

وكأنه خرج من البيت وهو يعرف أن هذه الليلة لن تنتهي بشكل طبيعي.
وقفت ببطء، أغلقت الباب خلفي بهدوء، واتجهت نحو المطبخ عبر الممر الجانبي، كان بيت حماتي قديماً، سقوفه عالية، وأرضيته باردة، في طفولتي كان يبدو لي مهيباً أما في تلك الليلة، فبدا ككائن حي، ضخم يتنفس بصمت ثقيل.
كان سعد هناك، يقف بجانب المغسلة، يحمل كوب ماء لم يشرب منه، وما إن رآني حتى خفض صوته فوراً.
ليس لدينا وقت.
نظرت إليه مباشرة وقلت
ابدأ من في تلك الغرفة؟
ترددت عيناه للحظة، ثم انزلقتا نحو الباب البعيد.
وقال كلمة واحدة
مصطفى.

شعرت بأن الأرض تميد بي، رغم أنني كنت أعرف أو ربما كنت أرفض التصديق، لكن سماعها منه كان مختلفاً، كأن الحقيقة انزلقت
أخيراً إلى مكانها الصحيح المرعب.
قلت بصوت شبه مكسور
لماذا هو محبوس؟
مرر سعد يده خلف رقبته بتوتر، ثم قال
لأنه رفض التوقيع.
تجمدت في مكاني.
وسألته ببطء
التوقيع على ماذا؟
نظر إليّ سعد وكأنه يزن كلماته بدقة، كمن يحاول قول الحقيقة دون أن يدفع ثمنها فوراً.
قال بصوت منخفض
بيع البيت وبعض الأوراق الخاصة بأرض في أطراف بعقوبة وأشياء أخرى.

قطبت حاجبي، وقلت بعدم فهم
لا أفهم.
تنهد ببطء، ثم قال
أبي غارق في الديون ديون كبيرة. منذ شهور وهم يحاولون بيع البيت الذي تعيشون فيه، وكذلك الأرض التي ورثها مصطفى عن جده، لكن مصطفى رفض، بل فعل شيئاً لم يتوقعوه نقل ملكية البيت باسمك أنتِ وسيف ليحميه.
وزوجة أبي هي من أقنعته بأن مصطفى خرج عن طوعه، وأنه لم يعد الابن الذي يُعتمد عليه، بل صار في نظرها ولدًا عاقًا يستحق أن يُجبر على التوقيع بأي طريقة.
تجمدت في مكاني.
وتابع بصوت أثقل
زوجة أبي عرفت بالأمر قبل أسبوع.

نظرت إليه، عاجزة عن استيعاب ما أسمع.
في ذلك الصباح قال لي مصطفى إنه ذاهب ليُنهي بعض معاملات التوقيع، كان يرتدي قميصه ويبدو عادياً تماماً، وظننت أنها مجرد مشكلة جديدة مع البنك أو مع والده، لم يخطر ببالي أبداً أن الأمر بهذا الحجم.
رفعت عيني إليه وسألته أخيراً
ماذا فعلوا به؟
وضع سعد الكأس جانباً
دون أن يشرب، وكأن الماء نفسه لم يعد يهم.
قال بصوت خافت
وضعوا له شيئاً.
شعرت بقلبي ينقبض.
ماذا تقصد؟
قال
مهدئ أظنه في القهوة.

كانوا يريدون أخذه ليوقّع وهو شبه فاقد للوعي، ومعهم شخص يوثق الأمر لصالح أبي لكن حالته ساءت فجأة، فقد توازنه وتشنج وظنوا أنه يمـ,ـوت بين أيديهم.
شعرت بالغثيان يلتف حول معدتي.
يا الله
أكمل بسرعة
استدعوا طبيباً لا يسأل كثيراً قال إنه لا يزال على قيد الحياة، لكن وعيه متقطع، أحياناً يدرك وأحياناً يغيب. زوجة أبي أصابها الذعر وكذلك أبي ثم قرروا أسوأ شيء يمكن أن يخطر ببال أحد.
نظرت إليه، وقلبي يخفق بعنف.
ماذا؟
قال وهو يشيح بنظره لأول مرة، كأنه يخجل
أن يقنعوا الجميع أنه مات.

شعرت بأن الأرض تميل تحت قدمي.
مات؟
أومأ ببطء، ثم قال
قالوا إنهم إذا أعلنوا أنه تـ,ـوفي في حـ,ـادث، ستنتهي الإجراءات، والأسئلة، والضجيج وسيكملون الباقي لاحقاً. أخفوه في الغرفة الخلفية بينما أقاموا هذا العزاء.
ابتلعت ريقي بصعوبة، وقلت
والجـ,ـثمان؟
نظر إليّ مباشرة وقال
فارغ.
طنّ في أذني صوت حاد.
فارغ؟
وضعوا أغطية وبعض الأوزان حتى يبدو طبيعياً إذا اقترب أحد أو حاول تحريكه.
تشبثت بحافة الطاولة كي لا أسقط.
في الخارج كانوا يقرؤون القرآن على روح رجل لم يمت.

يتلقون العزاء ويأكلون ويدعون
بينما هو يتنفس مخدَّراً
ومحبوساً خلف باب مغلق.
شعرت برغبة جارفة في تحطيم كل شيء، في الصراخ، في كشفه

جميعاً لكن صوتي خرج بالكاد مسموعاً
لماذا تخبرني الآن؟
صمت سعد للحظة، ثم قال
لأنني سمعته قبل قليل ينادي باسم سيف ولأن زوجة أبي طلبت مني أن أحتفظ بالمفتاح حتى الصباح فهمت أنهم لم يعودوا يريدون إخفاءه بل يريدون أن يقرروا ماذا سيفعلون به مع الفجر.
تجمدت يداي.
قلت بسرعة
المفتاح معك؟
تردد ثم أخرج من جيبه مفتاحاً صغيراً قديماً، لونه نحاسي.
قال
لا أستطيع إعطاءك إياه هنا هناك من يراقب.
نظرت إليه بحدة
إذن افتح الباب.
هز رأسه
ليس الآن.
قلت بغضب مكتوم
سعد!

اقترب أكثر، وقال بصوت أخفض
اسمعيني أبي يحمل سـ,ـلاحاً.
تجمدت كلماتي في حلقي.
وأكمل بسرعة، كأنه أخيراً قرر قول كل شيء
منذ بدأت مشاكل الديون، وهو يحتفظ بمسدس في مكتبه واليوم أخرجه. رأيته بنفسي. وإذا أحدثتِ أي ضجة الآن كل شيء سيتحول إلى كارثة.
شعرت بأن جدران المطبخ تضيق حولي.
قلت بصوت مرتجف
وماذا تريدني أن أفعل؟ أن أجلس هناك وأنتظرهم ليقرروا إن كان سيعيش أم لا؟
قال بثبات
أريدك أن تفكري لا أن تنهاري.
وقبل أن أجيبه، سُمعت خطوات تقترب.

أعاد سعد المفتاح بسرعة إلى جيبه، ورفع الكأس وكأنه كان يشرب، وفي تلك اللحظة ظهرت حماتي عند الباب.
كانت ترتدي السواد بعناية، ومسبحتها بين أصابعها، ووجهها يحمل ملامح الحزن لكن عينيها لم تكونا كذلك، كان فيهما شيء يقظ حاد كأنه يراقب كل حركة.
قالت

بنبرة باردة
ماذا تفعلين هنا؟
أجبت بثبات
أحاول أن ألتقط أنفاسي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لا تصل إلى عينيها.
هذا ليس وقت التجول في المنزل هناك من يهتم بأمر ابني.
قلت بهدوء
نعم لاحظت ذلك.
وضع سعد الكأس في الحوض وقال
سأعود إلى المجلس.
خرج دون أن ينظر إليّ.
تقدمت حماتي خطوة نحوي، وقالت بصوت منخفض
لا أعرف ماذا تعتقدين أنك سمعتِ لكن تذكري أنك هنا من أجلنا.
نظرت إليها مباشرة.
من أجل ماذا؟

قالت
سيف يحتاج إلى الاستقرار وأنتِ لستِ في موقع يسمح لك بمواجهة هذه العائلة.
قلت ببطء
أنا زوجة مصطفى.
ظهرت على شفتيها ابتسامة باردة.
أنتِ أم ابنه هذا صحيح أما الباقي فيعتمد على أدوار لم تريها بعد.
سقطت كلماتها بيننا كأنها تهديد مغلف.
أردت أن أسألها أن أواجهها لكن صوتاً جاء من الخارج يناديها.
نظرت إليّ للحظة أخيرة، ثم عدلت عباءتها وعادت بوجهها الحزين إلى المجلس.
تركتني وحدي.
أتنفس بصعوبة.
وأفكر في كلماتها
أدوار لم تريها بعد.
أدركت حينها أن الأمر لم يكن مجرد بيت.

كان هناك شيء آخر.
شيء لم يخبرني به مصطفى
وشيء كانت زوجة أبيه مستعدة لدفـ,ـنه حتى لو كان لا يزال على قيد الحياة.
عدتُ إلى غرفة الضيوف، وأغلقت الباب خلفي بهدوء، ثم فتّشت حقيبتي بسرعة. كان هاتفي لا يزال يعمل، لكن لا أثر للشبكة. كانت الإشارة ضعيفة دائماً، نعم لكنها لم تكن بهذا
السوء من قبل، كأنها قُطعت عمداً.
كان سيف لا يزال نائماً. جلست بجانبه، أحدق في وجهه الصغير، وأحاول أن أفكر، أن أرتب كل شيء قبل أن ينهار كل شيء.

حـ,ـادث مُفبرك جسد غير موجود غرفة مغلقة حما يحمل سـ,ـلاحاً وحماة مستعدة لدفـ,ـن الحقيقة كاملة إذا كان ذلك يحمي ما تريده.
الاتصال بالشرطة من داخل المنزل مخاطرة، قد يسمعني أحد قبل أن يصل أي أحد، والخروج وحدي وترك سيف مستحيل. وحتى لو أخذته معي، قد يعودون وينقلون مصطفى قبل أن أرجع، أو يقلبون القصة ضدي ويجعلونني أبدو وكأنني فقدت عقلي، خاصة مع نفوذ أبيه وعلاقاته.
كل الاحتمالات كانت سيئة.
ثم تذكرت شيئاً بسيطاً بسيطاً لدرجة أنني كدت أضحك.
جهاز سيف اللوحي.

كنت أتركه له عندما نأتي إلى هذا البيت، لأن الإنترنت هنا، رغم ضعفه على الهاتف، كان يعمل بشكل أفضل على شبكة المنزل. نهضت بسرعة، فتحت الخزانة، وأخرجت حقيبته، بحثت فيها حتى وجدته، كان مشحوناً بشكل جيد، ضغطت على زر التشغيل وانتظرت ثوانٍ بدت أطول مما يجب.
ثم أخيراً اتصل بالشبكة.
بدون كلمة مرور.
كما هو الحال دائماً.
لم تتعلم حماتي يوماً كيف تغيّر أي شيء.
فتحت تطبيق الرسائل فوراً، وكتبت إلى جارتي، الوحيدة التي كانت تعلم أن مصطفى كان قلقاً في الأيام الأخيرة، والتي يعمل شقيقها في الشرطة.

لم أكتب كثيراً، فقط ما يكفي لينقذنا
مصطفى ليس ميتاً
أنا في بيت أهله لقد احتجزوه الجـ,ـثمان غير حقيقي إذا لم أرد خلال خمس دقائق، أرسلوا الشرطة فوراً العنوان ادخلوا الآن.
أرفقت صورة. لم أستطع تصوير الغرفة المغلقة، لكنني التقطت صورة من المجلس الكفن الشموع المشهد كله.
ثم أرسلتها.
وبدون تفكير، شغّلت مسجل الصوت، ووضعته داخل جيب سترتي. إذا حدث شيء أردت أن يبقى دليل. أي شيء.
مرت دقيقتان.
ثم ثلاث.
ولا رد.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى