قلت لنفسي بصوت واطي: “بقالك سنتين بتلعب يا عصام؟ تمام.. من النهاردة اللعب هيبقى على أصُوله، بس المرة دي أنا اللي هحط القوانين.” طلعت الشمس، بس بالنسبة لي كان الفجر لسه مأذنش في قلبي. قمت جهزت الفطار لولادي كأني آلة، لبستهم ووديتهم المدرسة، وبـ,ـوستهم بلهفة وكأني خايفة يضيعوا مني في وسط المتاهة دي. “عصام” صحي، مد ايده يطبطب على كتفي وهو خارج، حسيت بكهربا في جسمي، قرف، ووجع.. بس رسمت على وشي الابتسامة الباردة اللي اتدربت عليها طول الليل.
“مالك يا سلوى؟ وشك أصفر ليه؟” سألني وهو بيعدل الكرافتة قدام المراية، نفس المراية اللي شافتني وأنا بزوقله نفسي طول سنين. قلتله بصوت ثابت يمرجح جبال: “مفيش يا حبيبي، شوية صداع بس.. روح أنت شغلك ومتقلقش.” أول ما قفل الباب، الدنيا لفت بيا. قعدت على أقرب كرسي ونفست عن بركاني بصرخة مكتومة في المخدة. بس الصرخة مبردتش ناري. مسكت الموبايل، وصورت كل “سكرين شوت” أخدتها بالليل من موبايله وبعتها لنفسي، ومسحت كل أثر من جهازي.
بدأت رحلة البحث. الاسم اللي شفته في الرسائل كان “هبة”. عرفت أوصل لعنوانها من تفاصيل رسايل “أوبر” اللي كان بيبعتها لها. ركبت تاكسي ورحت للعنوان.. حي هادي، عمارة نضيفة، وفي المدخل شفت عربيته! العربية اللي قالي إنه بايعها عشان يكمل تمن أرض لينا، طلعت مركونة تحت بيت “الست التانية”. وقفت بعيد، وشفتها.. شفت “هبة” وهي نازلة وشايلة “ياسين”. طفل صغير، نسخة مصغرة من عصام، بيضحك نفس ضحكته. في اللحظة دي، حسيت إن السـ,ـكينة اللي في ضهري لفت ودبحتني بجد. هي كانت بتبتسم، ملامحها هادية، وكأنها متعرفش إن سعادتها مبنية على أنقاض حياتي.. أو يمكن تعرف ومش فارق لها.
رجعت البيت، وقعدت مع نفسي. الست الضعيفة اللي جوايا كانت عايزة تروح تشدها من شعرها وتفـ,ـضح عصام في وسط الشارع. بس “سلوى” الجديدة، اللي اتولدت في ضلمة المطبخ بالليل، قالتلي: “الوجع اللي بجد، هو اللي بيتاخد على نار هادية.” فتحت درج المكتب، طلعت عقود الشقة، وتوكيل عام كان عاملهولي من سنين عشان أدير أملاك والده. اكتشفت إنه كان بيسحب من رصيدنا المشترك مبالغ دورية.. مبالغ كانت بتتحول لحساب “مجهول”. بالليل، رجع عصام ومعاه شنطة فاكهة وضحكة عريضة.
“سلوى، أنا بفكر نطلع مصيف الأسبوع الجاي، العيال محتاجين يغيروا جو.” بصيت له في عينه مباشرة، وطولت النظر أوي لحد ما ارتبك. قلتله: “والله يا عصام؟ ولا عشان ياسين ابنه سخن ومحتاج يغير جو هو كمان؟” الشنطة وقعت من إيده، والفاكهة اتطوحت على الأرض. ملامحه اتخطفت، والدم هرب من وشه. اللحظة اللي كان فاكر إنها مش هتيجي أبدًا، كانت بتخنق أنفاسه دلوقتي. حكايات رومانى مكرم “سلوى.. أنتِ فاهمة غلط.. والله هفهمك..” صوته كان مهزوز، طالع من حنجرة ناشفة. ضحكت ضحكة قصيرة، باردة، خلت جسمه يقشعر.
“فاهمة إيه غلط يا عصام؟ إن ياسين مش ابنك؟ ولا إن بقالك سنتين فاتح بيت تاني بفلوسي وشقايا وتنازلاتي؟ ولا إنك كنت بتنام جنبي وأنت لسه طالع من حـ,ـضن واحدة تانية؟” قرب مني يحاول يمسك إيدي، رجعت خطوة لورا بقرف كأني شايفة كائن غريب. “ملمسنيش.. إيدك دي اللي طبطبت على ياسين وباست أمه، متمسنيش تاني.” قعد على الكرسي وهز راسه بين إيديه، وبدأ يمثل دور الضحية اللي حافظه: “هي اللي جرت رجلي.. كنت وحيد، كنت مضغوط من طلبات البيت والعيال، وهي ريحتني.. بس والله ما بحبها زيك، أنتِ الأصل يا سلوى.”
“الأصل؟” الكلمة كانت بتتحـ,ـرق في بقي. “الأصل اللي سـ,ـرقت ورثها عشان تفرش شقة الست اللي ريحتك؟ الأصل اللي كنت بتكذب عليها وتقولها الشغل متأخر وأنت بتلعب مع ابنك التاني؟” طلعت من شنطتي ورقة، وحطيتها قدامه على الترابيزة بكل هدوء. كانت كشف حساب البنك اللي سحبه الشهور اللي فاتت، وصورة من عقد الشقة التانية اللي قدرت أوصل لبياناته. “اسمع يا عصام.. الندم والدموع دي وفرها لنفسك. أنا مش “سلوى” الطيبة اللي كانت بتصدق إنك سهران في الاجتماعات. أنا دلوقتي الست اللي هتاخد حقها وحق ولادها تالت ومتلت.”
بص للورق وبدأ وشه يقلب للون الخوف الحقيقي. “أنتِ ناوية على إيه يا سلوى؟ هتفضحيني؟ هتخربي البيت؟” قربت منه وهمست في ودنه: “البيت اتخرب من سنتين يا حبيبي.. يوم ما قررت إننا مش كفاية عليك. الفضـ,ـيحة سهلة، بس أنا عايزة “حقي”. الشقة اللي باسمك هناك، تتنازل عنها لولادي هنا. والأرض اللي قلت إنك بعتها، ترجعلي قيمتها كاش.. دلوقت.” “أنتِ بتبتزيني؟” قالها وهو بيقوم مفزوع.
ابتسمت ببرود وسحبت الموبايل: “سميها زي ما تسميها. يا إما التنازلات دي تتم بكره الصبح عند المحامي، يا إما رسايل الواتساب، بصورك، بصوتك، بلوكيشن البيت التاني، هتبقى عند “حماك” العزيز، وعند مديرك في الشغل اللي بيثق في أخلاقك أوي.. واختار، تعيش مستور ومفلس، ولا تعيش مفضوح ومفلس برضو؟” سابني ودخل الأوضة وقفل على نفسه. وأنا؟ رجعت المطبخ، عملت لنفسي كوباية شاي، وقعدت أشربها وأنا ببص للسما من الشباك. الوجع لسه موجود، بس الإحساس بالقوة كان بيدي للوجع طعم مختلف.
طلعت شمس يوم جديد، بس كانت شمس باردة مفيش فيها دفا. عصام خرج من الأوضة وشكله كأنه كبر عشر سنين في ليلة واحدة. عينه كانت مطفية، وهدومه اللي كان دايماً بيتباهى بشياكتها كانت مبهدلة، كأن جبل وقع عليه وهدّ حيله. بصلي وأنا قاعدة بفطر ولادي وبضحك معاهم وكأن مفيش بركان انفجر بالليل. نظراته كانت مزيج من الرعب والذهول.. إزاي الست اللي كان فاكر إنه كاسر عينها بلقمته وقادر يغفلها بسنين، قادرة تمثل الثبات ده؟ “سلوى.. ممكن كلمة في الأوضة؟” قالها بصوت شرقان.
دخلت وراه وقبل ما ينطق، كنت حاطة شروط المـ,ـوت الرحيم قدامه: “المحامي مستنينا الساعة 12. التنازل عن نصيبك في شقة الزوجية لولادي، وعقد شقة (التجمع) اللي باسمك هناك يتنقل ليا أنا شخصياً كتعويض عن صبري وقرفي. غير كدة، فلاشة الصور والمكالمات هتكون عند أهلك وأهلها في خلال ساعة.” هز راسه باستسلام غريب: “حاضر.. هعمل اللي أنتِ عايزاه، بس بلاش الفضيحة.. بلاش تخربي بيتي التاني، ياسين ملوش ذنب.” ضحكت بمرارة: “وياسين اللي هنا؟ ومالك؟ وأنا؟ كان ذنبنا إيه وإحنا بنصدق تمثيلياتك؟ اللي ملوش ذنب يحافظ على أهله يا عصام، مش يروح يبني لغيرهم قصور على جـ,ـثثنا.”
رحنا للمحامي. شفته وهو بيمضي على “مـ,ـوته” بإيده. كل ورقة كان بيمضيها كانت حتة من جبروته بتنهار. لما خلصنا وخرجنا من المكتب، وقف قدامي في الشارع وسألني بكسـ,ـرة: “خلاص كدة؟ ارتحتي؟ هترجعي البيت نربي ولادنا وننسى اللي فات؟” بصيت له من فوق لتحت وقلتله: “أنا لسه مبدأتش يا عصام. التنازلات دي تمن سكوتي بس، مش تمن مسامحتي. أما الرجوع.. فده قرار لسه في إيدي أنا، مش في إيدك أنت.” سيبته واقف في نص الشارع ورحت لمكان هو متخيلش أبداً إني ممكن أروحه. رحت لعنوان “هبة”.
خبطت على الباب، وفتحتلي وهي شايلة الطفل. كانت ملامحها بريئة لدرجة تستفزني، بس النـ,ـار اللي جوايا كانت أهدى بكتير من إني أغلط فيها. “أنتِ مين؟” سألتني باستغراب. ابتسمت ببرود وقلت لها: “أنا سلوى.. صاحبة البيت التاني اللي عصام كان بياخد منه عشان يبني لك هنا. أنا اللي جاية أقولك إن عصام من اللحظة دي مملكش غير هدومه اللي عليه، وإن الشقة اللي أنتِ قاعدة فيها دي.. بقت ملكي أنا.” هبة وشها جاب ألوان، والطفل بدأ يعيط في حـ,ـضنها كأنه حاسس باللي جاي. وفي اللحظة دي، تليفونها رن.. كان عصام.