دخلت الأوضة وأنا ماسكة أعصابي، بس اللي شفته جوه كان أبشع من الفيديو. الأوضة كانت عبارة عن “متحف لمريم”. الحيطان متغطية بصوري في كل مراحل حياتي، فساتيني القديمة اللي قلت إنها ضاعت متعلقة في شماعات، وريحة برفاني مالية المكان. والست اللي كانت جوه؟ مكنتش موجودة، بس كان في ورقة مكتوبة بخط إيد عمر على السرير: “النهاردة مريم بدأت تشك بزيادة، لازم ننقل (نور) لمكان تاني النهاردة بالليل.. مريم مابقتش آمنة على مشروعنا.” مشروع؟ ونور مين دي؟
قبل ما أستوعب المكتوب، لقيت باب الشقة الرئيسي بيتفتح، وصوت عمر بينادي بحدة وهو داخل ومعاه حد: “يا مريم.. إنتي فتحتي الأوضة ليه؟” لفت وشي، وشفت عمر واقف، وجنبه الست اللي كانت في الفيديو، كانت واقفة بتبصلي بابتسامة باردة وهي بتقول: “أهلاً يا مريم.. كان نفسي نتقابل في ظروف أحسن من كدة، بس كان لازم تعرفي إن البيت ده مبيشيلش اتنين مريم.” عمر قرب مني ومسك إيدي بقوة، وعينه فيها نظرة عمري ما شفتها، وقال بهدوء مرعب:
“نور تبقى أختك التوأم اللي أهلك فهموكي إنها ماتت وهي صغيرة.. بس الحقيقة إنها كانت “المشروع” اللي أنا شغال عليه من سنين عشان نثبت إن الشخصية ممكن تتبدل بالكامل لو عشنا في نفس الظروف.” حسيت الدنيا بتلف بيا، وصوت عمر بيبعد وهو بيقول: “دلوقتي يا مريم، جه الوقت اللي إنتي فيه تدخلي الأوضة دي.. ونور هي اللي تطلع للصالة.”
وقفت مجمّدة في مكاني، وعيني بتتنقل بين عمر وبين الست اللي واقفة جنبه.. “نور”. كان صعب عليا أصدق إن الملامح دي مش مراية، دي حقيقة، نفس نبرة الصوت وهي بتقول لعمر: “تفتكر هتتعود على القعدة جوه بسرعة يا عمر؟ أنا زهقت من الكتمة.” عمر محاولش حتى يبرر، كان بيتعامل ببرود غريب، وكأني مجرد تجربة فاشلة في معمله. قرب مني ووشوشني بصوت واطي: “مريم، مفيش داعي للمقاومة، إنتي أعصابك تعبت الفترة اللي فاتت وده المثبت في الدفاتر اللي كنت بكتبها.. كل الناس عارفة إن مريم مريضة نفسياً وبدأت تخرف.”
فجأت، النجار اللي كان واقف مذهول حاول يتسحب ويخرج، بس عمر انتبه له وطلّع من جيبه رزمة فلوس كبيرة ورماها له: “انسى إنك شوفت الشقة دي، وإلا مش هتعرف تفتح باب محلّك تاني.” الراجل خد الفلوس وجري وهو بيترعش. عمر زقني بقوة جوه الأوضة، ونور دخلت وراه وهي بتعدل شعرها قدام المراية اللي في الأوضة، المراية اللي أنا كنت بشوف فيها نفسي كل يوم! عمر قفل الباب بالمفتاح من بره، وسمعت صوت تكة الكالون.. التكة اللي كانت بترعبني وهي مقفولة، دلوقت بقت هي سجني.
قعدت على السرير اللي ريحته غريبة، ريحة حد غيري كان عايش مكاني. بدأت أدور في الأوضة بجنون، لازم يكون في مخرج. الأوضة مفيهاش شبابيك لأنها “منور” قديم عمر كان قافله بخشب مدهون بلون الحيطة عشان ميبانش. فتحت التلاجة الصغيرة اللي كانت نور بتاكل منها، لقيت فيها أدوية كتير، حقن مكتوب عليها “مهدئ أعصاب قوي”. فهمت ساعتها ليه كنت بحس بخمول وليه مكنتش بسمع حركتها بوضوح.. عمر كان بيحطلي من الأدوية دي في العصير كل يوم!
عدت ساعات وأنا في الضلمة، لحد ما سمعت صوت حركة بره الأوضة.. صوت ضحك عالي، وصوت مزيكا هادية.. عمر ونور بيتعشوا في الصالة، بيعيشوا حياتي وأنا لسه عايشة! فجأة، سمعت صوت خبط خفيف على الخشب بتاع المنور المستخبي ورا الدولاب. خبط منتظم.. “تك.. تك.. تك”. قربت من الخشب وسألت بصوت مخنوق: “مين؟” جالي رد بصوت راجل عجوز، واطي جداً: “يا بنتي.. أنا عم “عبده” البواب، أنا عارف إن في حاجة غلط في الشقة دي من شهور.. الأستاذ عمر كان بيطلع شنط أكل ولبس غريبة.. إنتي سامعاني؟”
دموعي نزلت من الفرحة: “يا عم عبده، الحقني، عمر حبسني وجاب واحدة تانية مكاني.. بلغ البوليس!” رد عم عبده بخوف: “البوليس هيقول عليا مجنون يا بنتي، الأستاذ عمر مأكد للكل إنك في المستشفى بتتعالجي.. اسمعيني، المنور ده ملوش شباك بس الخشب ده قديم ومسوس، حاولي تزقيه بقوة، وأنا هكون مستنيكي تحت بملايات قديمة تسندي عليها.” بدأت أزق الدولاب بكل قوتي، وجسمي بيرتعش من الخوف إن عمر يسمع الصوت. وبمجرد ما الدولاب اتحرك، بدأت أخبط في الخشب بظهر الكرسي اللي كان في الأوضة.
وفي اللحظة اللي الخشب بدأ يتكسر فيها، سمعت صوت مفتاح الباب بيتحرك.. الباب اتفتح، وعمر كان واقف، والضوء اللي وراه مخلي ملامحه ضلمة تماماً، وفي إيده “سرنجة” المهدئ.. بص للخشب المكسور وبصلي بابتسامة مرعبة وقال: “كنت عارف إنك مش هتستسلمي بسهولة يا مريومة.. بس للأسف، مفيش عم عبده تحت، ده كان “تسجيل” أنا اللي مشغله عشان أشوف هتفكري تهربي إزاي.” وقبل ما أصرخ، هجم عليا.. وفي اللحظة دي، النور قطع تاني!
في قلب الضلمة اللي غطت المكان، عمر فقد توازنه لثوانٍ بسبب المفاجأة. استغليت اللحظة دي وبكل قوتي زقيته في صدره، وقع لورا والسرنجة طارت من إيده. مجريتش ناحية الباب، لأني عارفة إن “نور” واقفة بره ومستنية، جريت ناحية “المنور” المكسور. مفكرتش في الارتفاع ولا في المو.ت، رميت نفسي في الفراغ وأنا مغمضة عيني، بس حظي كان من السما؛ المنور كان مليان حبال غسيل قديمة وشبك حماية بتاع الدور اللي تحتي، جسمي اتخبط بقوة في الشبك بس مكنتش حاسة بالوجع من كتر الأدرينالين.
نزلت الدور اللي تحتي، كان شقة فاضية تحت الإنشاء. دخلت من الشباك المفتوح، وجريت على السلم وأنا حافية ولبسي مبهدل. وأنا نازلة، سمعت صرخة “نور” من فوق وهي بتنادي بانهيار: “عمر! مريم هربت.. لو اتمسكت إحنا الاتنين هنروح في داهية!” خرجت للشارع في عز ليل “أسيوط” الهادي، مكنتش عارفة أروح فين، ومخي مش قادر يجمع مين من قرايبي هيصدقني ومين هيفتكرني مجنونة زي ما عمر رسم الخطة. فجأة، شفت عربية “نيسان” سوداء واقفة بعيد، والأنوار بتاعتها بترعش (فلاشر).
قربت من العربية بخوف، الباب اتفتح وطلعت منه ست ملامحها قاسية جداً بس لابسة غالي جداً، وبصتلي ببرود وقالت: “اركبي يا مريم.. أنا كنت مستنية اللحظة اللي هتفشلي فيها مشروع عمر.” ركبت وأنا بترعش وسألتها: “إنتي مين؟ وتعرفي عمر منين؟” الست ضحكت ضحكة صفرا وهي بتتحرك بالعربية بسرعة: “أنا اللي كنت بتمول المشروع ده.. أنا اللي دفعت فلوس عمليات التجميل لـ (نور) عشان تبقى نسخة منك، بس الحقيقة هي مش أختك ولا حاجة، دي كانت مجرد (كومبارس) فاشلة عمر لقاها وقرر يصنع منها معجزة.”
لفيت وشي ليها بذهول: “يعني إيه؟ وليه بتساعديني دلوقت؟” بصتلي وقالت بنبرة تخوف: “عشان عمر خانني أنا كمان.. كان المفروض المشروع يخلص وإنتي تختفي تماماً ونور تستلم حياتك وتديني نصيب من ثروة والدك اللي عمر كان بيحاول يسيطر عليها، بس عمر قرر يخلي نور ليه ويخلص مني أنا كمان.. وبما إن عدو عدوي حبيبي، فأنا هساعدك تهدّي المعبد على دماغهم.” طلعت من التابلوه ملف كبير وحطته في حجري: “دي الأوراق الرسمية، وعقود بيع أملاكك اللي عمر زورها بتوقيع نور اللي اتمرنت عليه شهور.. ومعاهم تسجيلات صوتية لعمر وهو بيخطط لكل ده.”
حسيت إن الحق بدأ يرجع، بس الست كملت كلامها وهي بتبص في المراية بخوف: “بس في مشكلة يا مريم.. عمر مش لوحده، عمر معاه (حد) واصل جداً هو اللي كان بيغطي على كل البلاوي دي.. والحد ده دلوقت وراكي بالظبط.” بصيت ورايا من الشباك، شفت عربية عمر جاية ورانا بسرعة جنونية، ونور قاعدة جنبه وماسكة في إيدها “مسدس”. عمر مكنش ناوي يحبسني المرة دي، عمر كان ناوي ينهي القصة للأبد.
الست صرخت: “تمسكي كويس!” وكسرت الدريكسيون فجأة ودخلت في طريق زراعي ضلمة، والعربيتين بقوا في سباق مو.ت بين الزرع. وفجأة، الست وقفت العربية مرة واحدة وقالتلي: “انزلي استخبي في وسط القصب.. الملف ده ميتسرقش منك، ده حبل المشنقة بتاعهم.” نزلت وجريت وسط القصب والشرر بيطير من عيني، سمعت صوت فرامل عربية عمر وهي بتوقف ورايا.. وصوت خطوات جري سريعة ورايا.. وصوت “نور” وهي بتزعق: “مش هتخرجي من هنا يا مريم.. أنا اللي هعيش حياتك، وإنتي اللي هتمو.تي (نكرة) في الغيط!”
وقفت مكاني لما حسيت ببرودة حديد المسدس على رقبتي من ورا.. بس المرة دي، الصوت اللي سمعته مكنش صوت نور.. كان صوت “عمر” وهو بيلهث: “وداعاً يا مريم.. المشروع انتهى.” **صوت طلقة هز المكان.. والكل وقع في الأرض.** الطلقة مكنتش فيا.. الطلقة كانت في الهوا. فتحت عيني برعب، لقيت عمر واقع على الأرض وهو بيمسك كتفه اللي بينزف، ووراه كانت “نور” واقفة وماسكة المسدس وإيدها بتترعش، وعينها مليانة غل ودموع. نور صرخت في وشه:
“كنت عاوز تخلص مني أنا كمان يا عمر؟ سمعتك وإنت بتقول للست دي في التليفون إنك هتخلص من (النسختين) الليلة وتعيش لوحدك بالفلوس! أنا مش مشروع، أنا بني آدمة!” عمر كان بيحاول يقوم وهو بيشتمها، وفي اللحظة دي، نور وجهت المسدس ناحيتي وهي في حالة ذهول تام: “وإنتي يا مريم.. إنتي السبب في كل اللي وصلناله ده.. لو مكنتيش هربتي كان زماننا خلصنا بسلام!”
قبل ما تضغط على الزناد، أنوار زرقاء وحمراء ملت المكان. الست اللي كانت معايا في العربية مكنتش مجرد “مموّلة”، دي كانت خيط الوصل اللي بلّغ البوليس في آخر لحظة عشان تضمن رقبتها هي كمان من تهمة التزوير. القوات حاصرت المكان، ونور من الخضة رمت المسدس وقعدت على الأرض تصرخ بهستيريا. عمر حاول يهرب وسط الزرع بس العساكر جابوه في ثواني. **بعد مرور 3 شهور:** أنا واقفة قدام المراية في شقتي.. بس المرة دي الشقة هادية، مفيش “تكة” باب بتخوفني، ولا أكل بينقص.
عمر ونور والست “الممولة” كلهم خلف القضبان بتهم التزوير، والشروع في القت.ل، وانتحال الشخصية. المحامي بتاعي قدر يثبت إن “نور” مش أختي ولا حاجة، دي كانت مجرد بنت فقيرة بتشبهني، عمر استغل طمعها وعملها عمليات تجميل دقيقة عشان يحلها مكاني ويسرق ورثي من والدي اللي كان عبارة عن أراضي وعقارات بمليارات. فتحت باب “أوضة الخزين”. الأوضة دلوقت فاضية تماماً، مدهونة لون أبيض مريح، مفيش فيها صور قديمة ولا ريحة خوف. طلعت منها وبصيت لصورتي الحقيقية على الحيطة.. مريم الواحدة والوحيدة.
رن جرس الباب، روحت فتحت، كان عم عبده البواب (الحقيقي المرة دي) ومعاه جواب رسمي من المحكمة. بصيت له وابتسمت، قالي: “نورتي بيتك يا ست مريم، والحمد لله إن الكابوس ده خلص على خير.” قفلت الباب ورايا، وبصيت لنفسي في مراية الصالة.. مسحت الشامة اللي جنب عيني بمنديل.. فطلعت “رسم” بالقلم! ضحكت بمرارة وأنا بفتكر إن عمر مكنش يعرف إن “مريم” اللي كان حابسها، كانت أذكى منه بكتير.. وإني كنت عارفة إن في حد في البيت من أول شهر، وكنت بسايره لحد ما قدرت أوقعهم كلهم في شر أعمالهم.
أنا مش مريم الضعيفة.. أنا مريم اللي كتبت نهاية القصة بإيدها. **- تمت -**