سكتت لحظة وكملت بحدة:
— “أنا كويسة، والعيال كويسين ومستقرين، يا ريت تركز في بيتك الجديد وتراعي ربنا في البنت
اللي معاك، وتسيبنا نعيش اللي باقي لنا في هدوء.. إحنا خلاص مابقاش لنا مكان في حياتك.”
قفلت السكة قبل ما ألحق أنطق بكلمة واحدة.. الجملة الأخيرة “مابقاش لنا مكان في حياتك” نزلت عليا زي السكينة. هي مش عارفة إن حياتي “الجديدة” دي عبارة عن أوضة ضلمة، وإني ماليش مكان غير عندها هي.
رجعت البيت وأنا حاسس إني تايه، كل شبر في الشقة الجديدة بيفكرني بغلطتي. دخلت لقيت “نسمة” واقفة في المطبخ، ريحة الأكل مالية المكان، ريحة “طبيخ” بيفكرني بأيام زمان، بس الطعم في بوقي كان مر.
بصت لي بابتسامة باهتة وقالت:
— “حمد الله على سلامتك يا حسن، الأكل جهز، يلا عشان تغسل إيدك وناكل سوا.”
مردتش عليها، رميت مفاتيحي على التربيزة وقعدت على الكنبة وحطيت راسي بين إيديا. نسمة قربت مني ببطء، حطت إيدها على كتفي بحذر كأنها خايفة أتكهرب، وقالت بصوت واطي ومكسور:
— “أنا عملت لك إيه يا حسن؟ من يوم ما دخلت البيت ده وأنت مش معايا.. جسد من غير روح. لو في حاجة فيّ مش عجباك قول لي، لو قصرت في حقك عرفني.. بس بلاش النظرة اللي في عينك دي، كأنك
ندمان إنك عرفتني.” كلامها كان حقيقي لدرجة وجعتني، رفعت راسي وبصيت لها.. كانت جميلة، وصغيرة، وملهاش أي ذنب في “العقد” اللي جوايا. بس في اللحظة دي، مكنتش شايفها هي، كنت شايف “إلهام” وهي واقفة مكبوسة في المطبخ القديم، بتمسح عرقها وتزعق للعيال، وكانت في نظري أجمل بكتير.
قلت لها بجمود:
— “أنتِ ملقصرتيش في حاجة يا نسمة.. العيب مش فيكي، العيب فيّ أنا.”
قامت وقفت فجأة، ودموعها نزلت غصب عنها:
— “يعني إيه؟ يعني لسه بتفكر فيها؟ لسه قلبك هناك؟ طب وأنا؟ ذنبي إيه أكون (سد خانة)؟
ذنبي إيه أعيش في بيت فيه ريحة ست تانية في خيال جوزي؟”
صوتها علي لأول مرة، وبدأت تنهج من كتر العياط:
— “لو عاوز ترجع لها يا حسن ارجع، بس متم*وتنيش بالبطيء كل يوم ببرودك ده.. أنا مش عروسة حلاوة جبتها عشان تنسى بيها وجعك، أنا بني آدمة وليّ كرامة.”
وقفت قدامها وأنا مش عارف أقول إيه. المكالمة مع إلهام كانت لسه بترن في ودني “إحنا خلاص مابقاش لنا مكان في حياتك”.. ونسمة
قدامي بتقولي “ارجع لها”.
مسكت الموبايل وطلعت بره الشقة، نزلت السلم جري وكأني بهرب من نفسي. ركبت العربية وفضلت ألف في الشوارع لحد ما لقيت نفسي تاني قدام بيت إلهام. المرة دي مكنتش خايف، المرة دي كنت “محتاج” الأكسجين اللي في المكان ده.
طلعت الدور التالت، وقفت قدام الباب الخشب اللي حافظ كل خدش فيه. رفعت إيدي عشان أخبط، بس إيدي اتنفضت.. يا ترى لو فتحت وشافتني بالمنظر ده، هتاخدني في حضنها وتقولي “تعال يا حسن لبيتك”؟ ولا هترمي في وشي كل الوجع اللي سببتهولها وتطردني؟
مديت إيدي ورفعت صباعي عشان أخبط.. بس الباب اتفتح قبل ما لمسي يوصل له.
طلعت “إلهام” وهي شايلة كيس الزبالة وفي إيدها التانية مفاتيحها، وشها كان فيه إرهاق اليوم كله، بس أول ما شافتني، الكيس وقع من إيدها، وعينيها وسعت بذهول ممزوج بخوف. — “حسن؟! أنت إيه اللي جابك هنا؟ الساعة 11 يا حسن!” مكنتش قادر أتكلم، كنت بنهج كأني كنت بجري ماراثون، ونظراتي كانت بتلف في الطرقة اللي وراها، ريحة البيت هي هي، دفا المكان اللي كنت فيه “ملك” ودلوقتي بقيت فيه “غريب”. قلت بصوت مبحوح: — “محتاج أتكلم معاكي يا إلهام.. مش قادر أروح.”
بصت لي بنظرة قوية، نظرة الست اللي اتكسرت وقامت تاني لوحدها، وقالت بصوت واطي ومسموع: — “تتكلم في إيه؟ أنت نسيت إنك متجوز؟ نسيت إن ليك بيت وست مستنياك؟ اللي بيني وبينك يا حسن هما العيال، والعيال نايمين جوه.. لو سمحت انزل، مش عاوزه مشاكل.” جيت أقرب خطوة، بس هي رجعت لورا وقفلت الباب نص قفلة، وكملت بقسوة: — “أنت فاكر إنك لما تضيق بيك الدنيا وتكتشف إنك غلطت، هتيجي تفتح بابي وتلاقيني مستنياك بالورد؟ أنا مش استبن يا حسن.. أنا بني آدمة اتهانت كرامتها يوم ما قولت لي (هبدأ صفحة جديدة مع واحدة غيرك).”
في اللحظة دي، سمعت صوت “نسمة” وهي بترن على موبايلي في جيبي. الصوت كان عالي ومستمر، كأن القدر بيفكرني بالورطة اللي أنا فيها. إلهام بصت لجيبي وابتسمت بسخرية ومرارة: — “رد على مراتك يا حسن.. روح لبيتك اللي اخترته. إحنا هنا بقينا ماضي، والماضي مبيتحكيش فيه مرتين.” لسه هرد، لقيت “ياسين” الصغير طالع من جوه وهو بيفرك في عينيه: — “ماما.. هو بابا جه؟” إلهام اتصلبت مكانها، وبصت لي بصة رجاء إن مكسرش العيل أكتر من كدة. نزلت لمستوى ياسين وشلته، وحسيت بريحته اللي وحشتني، لدرجة إنه استغرب.
قلت له بوجع: — “بابا جيه يبوسك وينزل يا حبيبي.. نام أنت.” إلهام سحبت ياسين من حضني بالراحة، وبصت لي نظرة أخيرة قبل ما تقفل الباب، نظرة كانت بتقول: “فوات الأوان أصعب من الوجع نفسه”. نزلت السلم وأنا مش شايف قدامي، ركبت العربية ولقيت 5 مكالمات لم يرد عليها من نسمة، ورسالة واحدة: (أنا رحت عند بيت أهلي يا حسن، مفاتيح شقتك على التربيزة.. لما تعرف أنت عاوز إيه من الدنيا ابقى كلمني). بقيت في نص الشارع.. لا طُلت “إلهام” وحضن عيالي، ولا حافظت على “نسمة”
اللي كانت ممكن تكون بداية بجد لو كنت صفيت حساباتي مع نفسي.
