منوعات

امبارح أخويا عزمني أنا وولادي على فطار رمضان

عادل فتح شنطته الجلد القديمة، وطلع منها ظرف لونه أصفر، باين عليه أثر الزمن. بص لي وقال: “قبل ما جوزك يتوفى بأسبوع، جالي المكتب وكان قلقان جدًا. طلب مني أكتب وصية تانية غير اللي الكل عارفها، وطلب مني أمانة ما تظهرش إلا في الوقت اللي أحس فيه إن ولاده كبروا ومحتاجين السند.” قلت بلهفة: “وصية إيه؟ جوزي ما سابش غير الشقة اللي إحنا فيها ومعاشه البسيط.. إنت بتقول إيه؟” هنا حسن اتدخل وقال: “اسمعي للاخر يا أختي.. الموضوع أكبر من مجرد وصية.”

المحامي طلع ورقة رسمية مختومة، وبدأ يقرأ: “أنا، المرحوم زوجك، كنت شريك بنسبة في أرض ومصنع نسيج مع حد من قرايبه من بعيد.. والشراكة دي كانت مستخبية بعقود رسمية وتنازلات، لأنه كان خايف من المشاكل العائلية وقتها.” حسيت إن الدنيا بتلف بيا. مصنع؟ أرض؟ إزاي وأنا كنت بحسب القرش على القرش عشان أعلم ولادي؟ عادل كمل كلامه وهو بيبص لي بتركيز: “الأمانة مش بس في الورق ده.. الأمانة إن الشريك ده كان بيبعت نصيبك ونصيب ولادك كل شهر لحساب بنكي مقفول باسمك، والحساب ده كان تحت إشرافي أنا وحسن.. بس كان في شرط.”

بصيت لحسن بعتاب ودموعي نزلت: “كنت عارف يا حسن؟ كنت عارف ومخبي عليا كل السنين دي؟ وأنا اللي كنت بقول إنك إنت اللي بتصرف علينا من جيبك؟” حسن قرب مني ودموعه في عينه: “والله يا أختي ما كان قصدي أخبي عشان حاجة وحشة.. جوزك وصاني قبل ما يمـ,ـوت قالي: (يا حسن، أختك طيبة وممكن أي حد يضحك عليها أو يطمع فيها.. سيب الفلوس تكبر وتأمن مستقبل العيال لما يشدوا حيلهم، وخليك إنت السند عشان تحس إنها لسه محتاجة لك وتفضلوا إيد واحدة).”

الظلام بدأ يتبدد، بس في سؤال واحد كان لسه بينغز في قلبي.. لو الموضوع فلوس وأمانة، ليه المحامي كان خايف؟ وليه منى مراته كانت سرحانة ومرعوبة طول الفطار؟ المحامي عادل بص لمنى، وبعدين بص لحسن وقال: “بس في جزء تاني في الموضوع يا حسن.. الجزء اللي إنت لسه ما تعرفوش، واللي خلاني أرجع من السفر مخصوص لما عرفت إن الشريك القديم بدأ يدور على الورق ده بطرق مش مشروعة.” فجأة، جرس الباب رن تاني.. بس المرة دي كانت الخبطة قوية وعنيفة، وكأن اللي برا مش جاي يزور، ده جاي يهد البيت.

منى وقفت مفزوعة وقالت: “ستر يا رب.. هما وصلوا لهنا؟” حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم صوت الخبط على الباب كان بيهز الحيطان، ونظرات الرعـ,ـب اللي شفتها في عيون منى خلتني أتأكد إن الموضوع مش مجرد ورث قديم ولا وصية متأخرة.. الموضوع فيه خطر حقيقي. حسن قام بسرعة، ملامحه اتغيرت 180 درجة، مابقاش الأخ الحنين اللي كان بيطبطب عليا من شوية، بقى راجل مستعد يحمي بيته وأهله بأي ثمن. بص للمحامي عادل وقال بصوت واطي وصارم:

“دخل المدام والأولاد جوه يا أستاذ عادل.. بسرعة!” منى خدت ولادي وولادها ودخلتهم الأوضة اللي جوه، وأنا كنت واقفة في مكاني، رجلي مش شيلاني. بصيت لحسن وقلت بلهفة: “في إيه يا حسن؟ مين اللي بيخبط كده؟ والشريك اللي المحامي قال عليه ده يبقى مين؟” حسن ما ردش عليا، قرب من الباب وبص من “العين السحرية”، ووشه اتخطف. لفت وشي للمحامي عادل وسألته: “انطق يا أستاذ عادل.. مين ده؟” عادل مسح العرق من على جبينه وقال بصوت مرعوش:

“ده “منصور”.. ابن عم جوزك الله يرحمه. هو اللي كان ماسك المصنع طول السنين دي، وهو اللي كان بيبعت الفلوس بانتظام.. بس من شهرين عرف إن الحساب البنكي وصل لمبلغ ضخم، وعرف إن ولادك كبروا والمفروض يستلموا نصيبهم في الأرض والمصنع.. وده معناه إنه هيطلع برا اللعبة خالص.” حسن فتح الباب “على العوجة” من غير ما يشيل السلسلة، وقال بخشونة: “عايز إيه يا منصور؟ ده وقت حد يخبط فيه كده؟ الناس لسه فاطرة!” صوت منصور جه من برا، صوت فيه غل وحقد عمري ما سمعته:

“افتح يا حسن.. أنا عارف إن المحامي عادل عندك. والورق اللي معاه ده يخصني أنا. الأرض دي أرضي والمصنع تعبي، مش هسيب شقفة عيال ياخدوا شقى عمري عشان ورقة قديمة مالهاش لازمة.” حسن رد عليه ببرود يحرق الدم: “الورق ده حق ولاد أختي، وبالقانون وبالشرع. ولو فاكر إنك هتاخده بالدراع، يبقى إنت ما تعرفش حسن كويس.” منصور ضحك ضحكة تقطع القلب وقال: “القانون؟ طيب يا حسن.. اسأل المحامي بتاعك كده، العقود اللي معاه دي باسم مين؟ واسأله مين اللي مضى على تنازلات البيع اللي تمت من أسبوع بختم وتوقيع “المرحوم”؟”

بصيت لعادل بذهول: “توقيع مين؟ جوزي ميت من سنين! إزاي يمضي على حاجة من أسبوع؟” عادل وشه بقى أبيض زي الورق، وبدأ يلم ورقه بسرعة وهو بيقول: “أنا لازم أمشي من هنا.. أنا ماكنتش أعرف إن منصور وصل لمرحلة التزوير دي. يا مدام، منصور مش لوحده، ده وراه ناس تقال، والورق اللي معايا ده بقى خطر عليا وعليكم.” حسن قفل الباب في وش منصور بالمفتاح، ولف لينا وشعره شايب من الهم: “منصور زودها قوي.. هو فاكر إنه لما يزور توقيع ميت هيهرب بعملته؟”

فجأة، منى خرجت من الأوضة وهي بتعيط وماسكة تليفونها: “يا حسن.. إلحقني! في رسالة جت لي على الموبايل من رقم غريب.. كاتبين فيها (لو الورق ما رجعش النهاردة، ولاد أختك مش هيرجعوا بيتهم بكرة).” الدنيا اسودت في عيني.. ولادي؟ ولادي اللي هما كل حياتي؟ بصيت لحسن وأنا بصرخ: “الفلوس تغور يا حسن! الأرض والمصنع يغوروا! أنا مش عايزة حاجة غير ولادي.. افتح له الباب واديله اللي هو عايزه!” حسن مسكني من إيدي بقوة وقال لي بنبرة عمري ما هنساها:

“اثبتي يا أختي.. اللي يسلم مرة، بيعيش طول عمره يسلم. منصور لو خد الورق النهاردة، مش هيسكت، هيفضل وراكم لحد ما يخلص عليكم عشان ما حدش يطالب بحق قديم.” لف للمحامي عادل وقال له: “الورق ده يفضل هنا.. وإنت هتخرج من باب المطبخ، وتروح تبلغ القسم باللي حصل. وأنا هعرف أتعامل مع منصور.” المحامي خاف وهرب فعلًا، وفضلت أنا وحسن ومنى والولاد محبـ,ـوسين في البيت، ومنصور برا عمال يخبط ويشتم، وصوته بيعلى أكتر وأكتر.

قعدت على الكنبة وأنا بفتكر ذكرياتي مع جوزي.. كان دايمًا يقول لي “حسن هو السند”، بس ماكنتش فاكرة إن السند ده هيتحول لدرع في مواجهة شيطان من لحمنا ودمنا. فجأة.. الخبط وقف. سكون غريب عم المكان.. لدرجة إننا كنا سامعين أنفاس بعض. حسن قرب من الباب تاني بحذر، وفجأة سمعنا صوت سرينة بوليس جاية من بعيد، وصوت رجلين بتجري على السلم. قلت بفرحة: “الحمد لله.. المحامي بلغ البوليس؟” حسن بص من العين السحرية، ووشه اتقبض أكتر، وقال بصوت مخنوق:

“ده مش بوليس يا أختي.. دول رجالة منصور، والظاهر إنهم جايين يكسروا الباب بجد.” في اللحظة دي، جرس التليفون الأرضي رن.. حسن رفع السماعة، وسمعنا صوت راجل غريب بيقول: “سلم الورق يا حسن.. وبلاش تخلي العزومة تقلب مأتم.” حسن بص لي، وبص لمنى، وبعدين بص للورق اللي على السفرة.. وقرر قرار كنت فاكرة إنه مستحيل ياخده. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم حسن فضل باصص للتليفون الأرضي وهو ساكت تمامًا، كأنه بيوزن الدنيا كلها في لحظة. فجأة، وبدون مقدمات، ساب السماعة وراح ناحية المطبخ، وجاب “ولاعة” وشال الورق الأصفر من على السفرة.

صرخت فيه بذهول: “إنت بتعمل إيه يا حسن؟ ده حق ولادي! ده السند اللي جوزي سابهولنا!” حسن بص لي وعينه فيها لمعة غريبة، وقال بحزم: “الحق اللي هيجيب دم ولادك يا أختي ملوش لازمة.. منصور مش جاي يتفاوض، منصور جاي يحـ,ـرق الأخضر واليابس. والورق ده لو فضل سليم، هيفضل يطاردكم لآخر يوم في عمركم.” وقبل ما أنطق كلمة، ولع في طرف الظرف الأصفر. النار بدأت تأكل في العقود القديمة، وريحة الورق المحـ,ـروق ملأت الصالة. منى كانت واقفة بتعيط في صمت، وأنا حاسة إن شقا عمري بيتحول لرماد قدام عيني.

فجأة، صوت منصور من برا اتغير.. مابقاش زعيق، بقى صراخ هستيري: “إيه الريحة دي؟ يا حسن! إنت بتعمل إيه يا مجنون؟ الورق لاااااا!” الظاهر إن منصور شم ريحة الحريق من تحت عقب الباب. الخبط زاد وبقى رزع بالكتف، والباب الخشب بدأ يتشقق. حسن رمى الرماد في طفاية السجائر، وقرب من الباب وقال بصوت عالي وهادي: “خلاص يا منصور.. اللي إنت جاي عشانه مابقاش ليه وجود. روح دور على تزويرك بعيد عننا، الورق اتحرق قدام عيني، ومبقاش ليك عندنا غير اللي القانون هياخده منك.”

السكوت حل فجأة برا.. مفيش خبط، مفيش شتيمة. ثواني، وسمعنا صوت جري سريع على السلم، كأنهم بيهربوا قبل ما حد يشوفهم. حسن اتنفس الصعداء وسند ضهره على الباب، وجسمه كله كان بيرتعش من المجهود العصبي. جريت عليه وأنا مذهولة: “ضيعت حقنا يا حسن؟ بجد حرقت الورق؟” حسن ضحك ضحكة خفيفة ووجعه باين في عينه، وطلع من جيبه “فلاشة” صغيرة لونها أسود، وقال لي بصوت واطي: “أنا أخوكي يا أختي.. وعمري ما أضيع حقك. الورق اللي اتحـ,ـرق ده كان “صور” طبق الأصل أنا والمحامي عادل مجهزينها من أسبوع عشان اللحظة دي.. إحنا كنا عارفين إن منصور مراقبنا.”

قلبي رجع يدق تاني من الفرحة: “يعني الورق الأصلي لسه موجود؟” حسن هز راسه: “الورق الأصلي متشال في خزنة في البنك، وما حدش يقدر يلمسه غيرك إنتي وبطاقتك الشخصية. والفلاشة دي عليها تسجيلات لمنصور وهو بيهددنا، وصور للعقود الأصلية وتاريخها.” لكن الفرحة ما كملتش.. منى صرخت فجأة وهي بتبص من شباك الصالة: “يا حسن! الحق! منصور مركبش عربيته وهرب.. ده واقف تحت العمارة ومعاه تلات رجالة، وماسكين في إيديهم ازايز مولوتوف!” بصينا من الشباك، وشفت وش منصور تحت كشاف الشارع.. كان وشه شيطاني، وعينه حمرا من الغل. رفع ايده بالازازة المولعة وقال بصوت واصل لنا فوق:

“لو الورق اتحـ,ـرق يا حسن.. يبقى البيت بمن فيه يتحرق! مش هسيبكم تتهنوا بمليم واحد!” الرعب رجع ينهش فينا.. إحنا في الدور الرابع، والباب متأمن، بس النار لو مسكت في العمارة مش هنعرف نخرج. والولاد بدأوا يخرجوا من الأوضة وهما بيعيطوا من صوت الزعيق والريحة. حسن مسك تليفونه وطلب رقم، وقال بسرعة: “يا أستاذ عادل.. نفذ الخطة (ب) فورا.. منصور هيحرقنا!” في اللحظة دي، شفت ازازة المولوتوف وهي طايرة في الهوا، وخبطت في سور البلكونة عندنا، والنـ,ـار بدأت تمسك في الستارة والفرش الخارجي.

البيت بدأ يتملي دخان، وصوت ولادي وهما بينادوا عليا خلع قلبي. حسن جرى يطفي النار ببطانية، ومنى كانت بتحاول تجمع العيال في أبعد أوضة.. وأنا كنت واقفة في نص الصالة، مش عارفة أعمل إيه. فجأة، سمعت صوت كلاكسات عربيات كتير جاية من أول الشارع.. وصوت ميكروفون بيقول: “سلم نفسك يا منصور.. المكان كله محاصر!” بصيت من الشباك تاني، وشفت مفاجأة مكنتش أتوقعها أبدًا.. مش بس البوليس اللي جه، ده في ناس تانية خالص كانت نازلة من العربيات، ناس ملامحهم غريبة علينا، بس باين عليهم الهيبة.

واحد منهم نزل من العربية وبص لمنصور وقال له: “فاكر إنك تقدر تلعب لوحدك يا منصور؟ المصنع ده ليه أصحاب تانية إنت متعرفهمش!” حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم الباقى فى الرابط الثانى

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى